المرض الهولندي الاقتصادي .. قصة المرض والنهضة الأقتصادية

ان ال برس : المرض الهولندي (بالإنجليزية: Dutch Disease)‏، ويعرف في علم الاقتصاد، بأنه العلاقة الظاهرة بين ازدهار التنمية الاقتصادية بسبب وفرة الموارد الطبيعية وانخفاض قطاع الصناعات التحويلية (أو الزراعية). إن الآلية بهذا الداء تكمن في أن ارتفاع عائدات الموارد الطبيعية (أو تدفقات المساعدات الخارجية) ستجعل عملة الدولة المعنية أقوى بالمقارنة مع الدول الأخرى، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة صادراتها بالنسبة للبلدان الأخرى، بينما تصبح وارداتها أرخص، مما يجعل قطاع الصناعات التحويلية في الدولة أقل قدرة على المنافسة. ورغم أن المصطلح يرتبط غالبا باكتشاف الموارد الطبيعية، فإنه يمكن ربطه (بأي تطور ينتج عنه تدفق كبير من العملات الأجنبية، بما في ذلك زيادة حادة في أسعار الموارد الطبيعية والمساعدات الأجنبية، والاستثمار الأجنبي المباشر). إن تعبير المرض الهولندي هو مصطلح دخل قاموس المصطلحات الاقتصادية على الصعيد العالمي منذ أكثر من 30 عاما، وأول من نشر المصطلح كان مجلة الإيكونومست البريطانية في أحد أعدادها الصادرة عام 1977، عندما تطرقت لموضوع تراجع قطاع التصنيع في هولندا بعد اكتشاف حقل كبير للغاز الطبيعي سنة 1959.

أصل التسمية

اسم لـ حالة من الكسل والتراخي الوظيفي أصابت الشعب الهولندي في النصف الأول من القرن الماضي 1900 – 1950، بعد اكتشاف النفط في بحر الشمال، حيث هجع الشعب للترف والراحة واستلطف الانفاق الاستهلاكي البذخي، فكان أن دفع ضريبة هذهِ الحالة ولكن بعد أن أفاق على حقيقة نضوب الآبار التي استنزفها باستهلاكهِ غير المنتج فذهبت تسميتها في التاريخ الاقتصادي بالمرض الهولندي.

يحاول مصطلح المرض ـ الداء الهولندي توصيف الظاهرة التي رصدها علماء الاقتصاد والسياسة بالنسبة لما حدث للهولنديين بالذات بعد اكتشاف النفط والغاز الطبيعي في المناطق التابعة لهم في بحر الشمال.

يقول البروفيسور جوزيف ستغليز وهو الاقتصادي المرموق من جامعة كولومبيا الأميركية والحاصل على جائزة نوبل: (بعد اكتشاف هذه الموارد الطبيعية السخية أكتشف الهولنديون أنهم يواجهون معدلات متزايدة من البطالة، ومن تفشي ظاهرة الإعاقة بين صفوف القوى العاملة، فالغريب أن العمال الهولنديين الذين فشلوا في البحث عن وظائف أكتشفوا أن استحقاقات العجز والإعاقة أفضل لهم ماديا من الاكتفاء باستحقاقات البطالة).

وقد زاد من تفاقم الظاهرة أن أدت حصيلة الموارد الطبيعية من الطاقة إلى ارتفاع أسعار صرف العملة الوطنية في هولندا فكان أن ارتفعت أسعار السلع التي أنتجتها هولندا مما أفضى إلى عجز هذه السلع عن المنافسة في أسواق التصدير بل جعل الواردات من الخارج أقل سعرا ومن ثم أفضل اختيارا للمستهلك المحلي، وكانت نتيجة هذا كله اضمحلال النشاط الإنتاجي ـ الصناعي بالذات وتلك ظاهرة أخرى قد يطلق عليها وصف (اللاتصنيع).

وفي ظل هذا العزوف عن الإنتاج وهذا الاضمحلال للنشاط الصناعي تقل بالتالي فرص العمل وتشتد بداهة آفة البطالة.. ولا يتورع العمال عن المطالبة باستحقاقات العجز والإعاقة ويتم هذا كله ـ على نحو ما أوضح البروفيسور ستغليز ـ وسط ارتفاع لأسعار الصرف.

الأمر الذي جعل هذا الاقتصادي الكبير يحذر من اقتصاديات الاعتماد فقط على الموارد الطبيعية لأنه يخلق في رأيه أوطانا غنية ومواطنين فقراء. وهذا هو جوهر الإصابة بالمرض الهولندي كما وصفته «الإيكونومست» منذ ثلاثة عقود، وإن كانت البشرية، واقتصادياتها قد عرفته وكابدته عبر مراحل وظروف شتى من تاريخها ـ في العصر الحديث على الأقل.

يسوق مؤرخو الاقتصاد السياسي حالات من هذه الإصابة بآفة «المرض الهولندي» وكلها حالات تجسدت ـ كما ألمحنا ـ في ثروات سخية هبطت على هذا القطر أو ذاك من خارطة العالم بفضل اكتشافات أو مميزات وهبتها الطبيعة من موارد طبيعية ثمينة سواء في دنيا المعادن النفيسة (الذهب والألماس والنحاس واليورانيوم والبوكسيت) أو في دنيا مستلزمات الطاقة (النفط والغاز الطبيعي) أو على شكل محاصيل زراعية ذات قيمة تجارية وعائد نقدي طائل (البن والشاي والكاكا الخ..).

والمعنى الأشمل في هذا المجال ينصرف إلى مفهوم العلاقة بين التوسع في استغلال هذه الموارد الطبيعية معدنية كانت أو زراعية، وبين الانكماش في مجال الصناعات التحويلية، وهي نفس العلاقة التي تفضي إلى مزيد من العوائد المالية وقليل من فرص العمل الوطنية وربما مزيد من استيراد قوى عاملة أجنبية تتمتع بمهارات خاصة ومطلوبة في ظل انكماش تصدير المنتجات المحلية المصنّعة التي تفقد باطراد مزاياها النسبية من جهة، ولا تكاد تصمد للمنافسة السعرية في أسواق التبادل التجاري الدولي من جهة أخرى.

المصدر : ويكيبيديا

Photo by Anne Nygård

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

%d bloggers like this: